ابن رشد
75
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
الفلسفة في عصره قد كملت وصار من الممكن تعليمها بطريقة برهانية كما تعلم الرياضيات « 4 » ، هو الذي اضطره إلى الوقوف عند مجرد الإحالة إلى طلب المعرفة " البرهانية " في موضعها . ومعلوم أن موضعها هو كتب أرسطو ، وكان ابن رشد منكبا على شرحها تارة شرحا مختصرا وتارة تفسيرا مطولا . ثم إن كتب أرسطو نفسه كانت موجودة متداولة . وإذن فإحالته إلى " كتب البرهان " ليست إحالة إلى مجهول ولا إلى ما ليس في المتناول . بل إنها إحالة إلى أهم كتب أرسطو الطبيعية وفي مقدمتها كتاب " الطبيعة " . لقد انطلق أرسطو في هذا الكتاب من دراسة الظواهر الطبيعية التي أرجعها في نهاية المطاف إلى ظاهرة واحدة هي الحركة . ومن استعراض أنواع الحركة في الأرض والسماء يخلص أرسطو إلى النتيجة التالية ، وهي أن جميع هذه الحركات ناتجة عن تحريك متحرك ، وأن المتحركات المحركة تتسلسل من الأرض إلى السماء تسلسلا لا بدّ أن يقف به العقل إلى افتراض محرك لا يتحرك ، وإلا تسلسل الأمر إلى غير نهاية . وهذا المحرك الذي لا يتحرك ( أو المحرك الأول أو السبب الأول ، وهو الله عنده ) هو أشبه بمعشوق ثابت في مكانه ، تنشدّ إليه وتتحرك نحوه جميع الموجودات لجماله وبهائه ، ولكونه السبب الأول والمحرك الأول . وبما أن جميع أنواع الحركة التي في الأرض مرتبطة بالحركة التي في السماء وتابعة لها ، وهذه مرتبطة كلها بحركة الكواكب والنجوم على أفلاكها إلى الفلك المحيط الذي يحيط بالعالم كله ويحرك بحركته جميع الأفلاك الأخرى ، فإن المحرك الأول الذي يحرك مباشرة ذلك المتحرك الأول ، لا بدّ أن يكون مثله في السماء العليا ولا بد أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه ، لأنه إن كان داخل العالم لم يكن محركا للمتحرك الأول ، بل سيكون متحركا به كبقية أجزاء العالم ، أما إذا فرضناه خارج العالم فسيغدو من الصعب تصور كيفية تحريكه للعالم . وهذا راجع إلى أن الفكر " العلمي " القديم ، فكر أرسطو خاصة ، لم يكن يستسيغ التحريك من بعد وبدون واسطة . هذه الصورة المختزلة جدا لنظام الكون حسب أرسطو ينبغي ، بل يجب ، استحضارها في الذهن عند متابعة ابن رشد في مناقشته للمتكلمين وردوده عليهم ، وكذلك عند عرضه ل " المعنى الظاهر " للآيات التي يستشهد بها بوصفها تعبر عن
--> ( 4 ) ابن رشد : تلخيص كتب أرسطو طاليس في الحكمة ( - الجوامع ) . مخطوط القاهرة . الصفحة الأولى . عن : أحمد فؤاد الأهواني . كتاب النفس لأبي الوليد ابن رشد . القاهرة . مكتبة النهضة المصرية . 1950 ) .